أحمد الشرباصي

99

موسوعة اخلاق القرآن

ومن أروع مواقف الثبات في تاريخ الاسلام ، ثبات القلة المؤمنة في اليوم العصيب الشديد : يوم غزوة أحد ، وكأن القدر أجرى على لسان الرسول في أول الغزوة ما يشير إلى ضرورة هذا الثبات ، حيث قال للرماة الذين طالبهم بحماية ظهر الجيش من فوق الجبل : « إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم » . والحق الذي لا شك فيه أنه لم ينقذ المسلمين من حرب الإبادة والإفناء في هذه الغزوة - غزوة أحد - إلا ثبات الطائفة القليلة من المجاهدين المخلصين . . فحينما أشيع بين المحاربين أن الرسول قد مات ، تخاذل بعض المقاتلين ، ولكن أنس ابن النضر هتف بأعلى صوته يقول : « يا قوم ، إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء » . . ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل ، وكان لأنس من المسلمين أشباه ونظائر ثبتوا وقاوموا ، وفي هذا نزل قول اللّه تعالى في سورة آل عمران : « وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ، وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها ، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ » . ولقد ضرب رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - المثل الأعلى في ثبات النفس ، وثبات الحس في غزوة أحد . . فقد أصيب في وجهه وشفتيه وأسنانه ، وسال الدم الزكي على وجهه الشريف ، وتعب كثيرا ، حتى صلى الظهر قاعدا بسبب الجراح التي نالته ، وحينما جاء عدو اللّه « أبيّ بن خلف » يقول : أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا . قال الصحابة : يا رسول اللّه ، هل يعطف عليه أحدنا ليقتله ؟ . فقال : دعوه . . فلما اقترب من الرسول تناول الرسول الحربة من